بر الوالدين من أعظم الطاعات وأحبها إلى الله، وقد قرنه الله بتوحيده في أكثر من موضع من كتابه، وجعل عقوقهما من أكبر الكبائر. وفي زحمة الحياة الحديثة وانشغال الأبناء بأعمالهم وهواتفهم وأسرهم، يحتاج كل منا أن يراجع نفسه: كيف أبرّ والديّ اليوم بصورة عملية؟ في هذا المقال نجمع ما ثبت في فضل بر الوالدين من القرآن والسنة الصحيحة، ونعرض صورًا عملية للبر في حياتهما وبعد وفاتهما، مع حدود الطاعة.

أولًا: بر الوالدين في القرآن الكريم

قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23–24].

في هاتين الآيتين منهج كامل للبر:

  • قرن الإحسان إليهما بالتوحيد، دلالة على عظم حقهما.
  • ذكر حال الكِبَر خاصة، لأنه وقت ضعفهما وحاجتهما وقد يضيق الابن بطلباتهما.
  • نهى عن أدنى كلمة ضجر «أف»، فما فوقها من رفع الصوت والإهانة أشد.
  • أمر بالقول الكريم والتواضع ورحمتهما والدعاء لهما.

وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]. فجعل شكرهما مقرونًا بشكره سبحانه.

ثانيًا: بر الوالدين في السنة الصحيحة

1. من أحب الأعمال إلى الله

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (متفق عليه: البخاري 527، ومسلم 85).

2. الأم أولًا

جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» (متفق عليه: البخاري 5971، ومسلم 2548). وذلك لما تحملته الأم من الحمل والولادة والرضاعة والسهر.

3. البر مقدّم على جهاد التطوع

جاء رجل يستأذن النبي ﷺ في الجهاد فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (متفق عليه: البخاري 3004، ومسلم 2549).

4. خسارة من أدرك والديه ولم يدخل الجنة

قال ﷺ: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة» (رواه مسلم، 2551). فوجود الوالدين أو أحدهما باب مفتوح إلى الجنة.

5. العقوق من أكبر الكبائر

قال ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...» (متفق عليه: البخاري 5976، ومسلم 87).

6. البر سبب لتفريج الكربات

في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، توسّل أحدهم إلى الله ببرّه بوالديه، إذ كان لا يقدّم عليهما أحدًا في شرب اللبن، فانفرجت الصخرة (متفق عليه: البخاري 2272، ومسلم 2743).

ثالثًا: صور عملية لبر الوالدين في حياتهما

المجالأمثلة عملية
الكلامخفض الصوت، والمناداة بأحب الألقاب، وعدم المقاطعة، وعدم الجدال الحاد
الوقتزيارة منتظمة، واتصال يومي لمن يسكن بعيدًا، والجلوس معهما دون انشغال بالهاتف
الخدمةقضاء حوائجهما، ومرافقتهما إلى الطبيب، وتعليمهما ما يحتاجان من التقنية بصبر
المالالنفقة عليهما عند الحاجة، والهدية في المناسبات وغيرها
المشاعرإظهار الامتنان، واستشارتهما، وإشعارهما بقيمتهما ومكانتهما
الدعاء﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ في كل صلاة

رابعًا: البر بالوالد غير المسلم أو المقصّر

البر لا يسقط حتى لو كان الوالدان على غير الإسلام. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صِلي أمك» (متفق عليه: البخاري 2620، ومسلم 1003).

وقال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

خامسًا: حدود الطاعة

طاعة الوالدين واجبة في المعروف، لكن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ قال ﷺ: «لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف» (متفق عليه: البخاري 7257، ومسلم 1840). فإذا أمراك بمعصية فاعتذر بلطف، مع الاستمرار في برهما والإحسان إليهما. أما المسائل التي يتعارض فيها أمر الوالدين مع حقوق الزوجة أو الأولاد أو العمل، فلها تفصيل يحسن السؤال عنه عند أهل العلم.

سادسًا: البر بعد الوفاة

  • الدعاء والاستغفار لهما: قال ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم، 1631).
  • الصدقة عنهما: سأل سعد بن عبادة رضي الله عنه النبي ﷺ: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: «نعم» (رواه البخاري، 2756).
  • صلة أصدقائهما: قال ﷺ: «إن من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودّ أبيه» (رواه مسلم، 2552).
  • قضاء ديونهما وإنفاذ وصاياهما المشروعة.
  • صلة أرحامهما من الأعمام والأخوال والخالات والعمات.

سابعًا: أخطاء شائعة تُنقص البر

  • المنّ عليهما: كأن يذكّر الابن والديه بما أنفق عليهما أو ما قدّم لهما.
  • الانشغال بالهاتف في حضرتهما: فيجلس معهما بجسده وقلبه غائب.
  • تأجيل حاجاتهما: وإشعارهما أنهما عبء على وقته.
  • الحكم على آرائهما بالتخلف: بدل الحوار بلطف واحترام خبرتهما.
  • إهمال الوالد لأن الأم أقرب أو العكس، والواجب البر بهما جميعًا.

أسئلة شائعة

والداي يختلفان دائمًا، فكيف أبرّهما معًا؟

لا تنحز إلى أحدهما في الخصومة، وأحسن إلى كل منهما، وحاول الإصلاح بينهما بالحكمة، واستعن بمن يحترمانه من أهل الخير.

أدعية للوالدين من القرآن

  • ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].
  • ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28].
  • ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15].

إن كان والداك أحياء فاغتنم اليوم قبل الغد: اتصل، وزر، واخدم، وقبّل يدًا تعبت لأجلك. وإن رحلا، فما زال باب البر مفتوحًا بالدعاء والصدقة وصلة أحبابهما.

هذا المقال للتعليم والتوعية العامة، وليس فتوى. للمسائل الخاصة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين أو دار الإفتاء في بلدك.

← كل المقالات