الصيام ركن من أركان الإسلام، وكثير من المسلمين الجدد أو الشباب الذين يصومون لأول مرة، بل وبعض من يصوم منذ سنين، يحتاجون إلى مرجع مبسط يجمع أحكامه الأساسية: من يجب عليه الصيام؟ وما شروطه وأركانه؟ وما الذي يفسده وما الذي لا يفسده؟ ومن يُرخَّص له في الفطر؟ في هذا المقال نجمع هذه الأحكام بأسلوب سهل، مع أدلتها من القرآن والسنة الصحيحة، والتنبيه على المسائل الخلافية التي ينبغي الرجوع فيها إلى أهل العلم.
أولًا: فرض الصيام وفضله
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وقال رسول الله ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه: البخاري 38، ومسلم 760). فالغاية من الصيام التقوى، وثمرته المغفرة لمن صامه مؤمنًا بفرضيته محتسبًا أجره عند الله.
ثانيًا: على من يجب الصيام؟
يجب صيام رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، خالٍ من الموانع (كالحيض والنفاس للمرأة). ويُؤمر الصبي بالصيام إذا أطاقه تدريبًا وتعويدًا، وإن لم يكن واجبًا عليه.
ويثبت دخول الشهر برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا؛ قال ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (متفق عليه: البخاري 1909، ومسلم 1081). والمسلم يصوم مع جماعة المسلمين في بلده وفق ما تعلنه الجهة الرسمية المختصة.
ثالثًا: أركان الصيام
1. النية
النية محلها القلب، ولا يشترط التلفظ بها. ويرى جمهور العلماء أن صيام الفرض يجب أن تُبيَّت نيته من الليل قبل الفجر، ومن تسحّر بنية الصيام فقد نوى.
2. الإمساك عن المفطرات
من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
رابعًا: سنن الصيام
- السحور: قال ﷺ: «تسحّروا فإن في السحور بركة» (متفق عليه: البخاري 1923، ومسلم 1095). ويُستحب تأخيره قبيل الفجر.
- تعجيل الفطر: قال ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر» (متفق عليه: البخاري 1957، ومسلم 1098).
- حفظ اللسان والجوارح: قال ﷺ: «الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» (متفق عليه: البخاري 1904، ومسلم 1151).
- الإكثار من القرآن والدعاء والصدقة، خاصة في رمضان.
وحذّر ﷺ من صيام الجوارح عن الطعام فقط مع إطلاقها في المعاصي فقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري، 1903).
خامسًا: مفسدات الصيام
اتفق العلماء على أن هذه الأمور تفسد الصيام إذا فعلها الصائم عامدًا ذاكرًا مختارًا:
- الأكل والشرب، ويدخل فيهما ما كان في معناهما كالتدخين عند عامة العلماء المعاصرين.
- الجماع في نهار رمضان، وفيه مع القضاء الكفارة المغلظة.
- خروج دم الحيض أو النفاس ولو قبل الغروب بلحظة.
وهناك مسائل اختلف فيها الفقهاء أو تحتاج إلى تفصيل، مثل: القيء عمدًا، والحقن بأنواعها، وبخاخ الربو، وقطرة الأنف والأذن، وسحب الدم، والتحاليل الطبية. فهذه يُرجع فيها إلى دار الإفتاء أو أهل العلم الموثوقين، مع استشارة الطبيب في الحالات المرضية.
سادسًا: ما لا يفسد الصيام
- الأكل أو الشرب ناسيًا: قال ﷺ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (متفق عليه: البخاري 1933، ومسلم 1155).
- الاغتسال والتبرد بالماء، والمضمضة والاستنشاق دون مبالغة.
- بلع الريق، وما لا يمكن الاحتراز منه كالغبار.
- الاحتلام في نهار رمضان، لأنه بغير اختيار.
- الإصباح جنبًا، فيغتسل ويتم صومه.
- السواك، وتذوّق الطعام عند الحاجة دون بلعه عند كثير من العلماء.
سابعًا: أصحاب الأعذار والرخص
قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
| الحالة | الحكم المختصر |
|---|---|
| المريض مرضًا يُرجى شفاؤه | يفطر إن شق عليه الصوم أو ضرّه، ويقضي بعد الشفاء |
| المسافر | مخيّر بين الصوم والفطر، ويقضي ما أفطر |
| الحائض والنفساء | يحرم عليهما الصيام، وتقضيان بعد الطهر |
| الكبير العاجز والمريض مرضًا مزمنًا لا يُرجى برؤه | يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا |
| الحامل والمرضع | تفطر إن خافت على نفسها أو ولدها، وفي القضاء والفدية خلاف بين الفقهاء |
وفي السفر قال أنس رضي الله عنه: «كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (متفق عليه: البخاري 1947، ومسلم 1118).
وفي الحائض قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (رواه مسلم، 335).
وفي الكبير العاجز قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، وفسّرها ابن عباس رضي الله عنهما بالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا (رواه البخاري، 4505). ومقدار الفدية وإخراجها نقدًا أو طعامًا مما تبيّنه دار الإفتاء في كل بلد.
ثامنًا: القضاء
من أفطر لعذر وجب عليه القضاء قبل رمضان التالي عند جمهور العلماء، ويجوز أن يكون متتابعًا أو متفرقًا. ومن أخّره حتى دخل رمضان آخر بلا عذر ففي لزوم الفدية مع القضاء خلاف بين الفقهاء.
تاسعًا: نصائح عملية لمن يصوم أول مرة
- ابدأ قبل رمضان بصيام بعض أيام شعبان أو الاثنين والخميس حتى يعتاد جسمك.
- لا تترك السحور، واجعله متوازنًا مع شرب كمية كافية من الماء بين الفطور والسحور.
- نظّم نومك حتى لا يضيع منك الفجر أو تتأخر عن عملك ودراستك.
- اجعل لك هدفًا روحيًا بجانب الإمساك عن الطعام: وردًا من القرآن، وصدقة، ودعاء عند الفطر.
- إن كانت لديك حالة صحية مزمنة فاستشر طبيبك قبل رمضان، ثم اسأل أهل العلم عن حكمك.
أسئلة شائعة
أذّن الفجر وفي فمي طعام، فماذا أفعل؟
أخرج ما في فمك فورًا ولا تبلعه، وصومك صحيح.
هل الحقنة تفطر؟
الحقن نوعان: مغذية تقوم مقام الطعام، وغير مغذية كالعلاجية. وللفقهاء والمجامع الفقهية فيها تفصيل، فاسأل دار الإفتاء في بلدك عن حالتك بعينها.
شككت هل طلع الفجر أم لا وأنا آكل؟
الأصل بقاء الليل حتى تتيقن طلوع الفجر، لكن الأحوط أن تلتزم بمواقيت الأذان المعتمدة في بلدك.
ولمزيد من الأحكام الفقهية المنظمة يمكنك زيارة صفحة الزكاة والصيام. نسأل الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا.
هذا المقال للتعليم والتوعية العامة، وليس فتوى. للمسائل الخاصة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين أو دار الإفتاء في بلدك.