العشر الأوائل من ذي الحجة أيام عظيمة، أقسم الله بها في كتابه، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه من العمل في غيرها، وفيها يوم عرفة ويوم النحر. وهي فرصة للحاج وغير الحاج، فمن لم يكتب له الحج هذا العام فإن أبواب الخير في هذه الأيام مفتوحة له في بيته وبلده. في هذا المقال نجمع ما صح في فضلها، والأعمال المستحبة فيها، وأحكام من أراد أن يضحي، مع جدول يومي مقترح.
أولًا: فضل العشر من ذي الحجة
1. أقسم الله بها
قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1–2]. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالليالي العشر عشر ذي الحجة. والله تعالى لا يقسم إلا بعظيم.
2. العمل الصالح فيها أفضل من غيرها
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه»، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» (رواه البخاري، 969).
تأمل هذا الحديث: العمل الصالح في هذه الأيام، ولو كان يسيرًا، أفضل من الجهاد في غيرها إلا في حالة واحدة نادرة. وهذا يشمل كل عمل صالح: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، وقراءة القرآن، وبر الوالدين، وصلة الرحم.
3. الأيام المعلومات
قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]. وذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الأيام المعلومات هي أيام العشر.
ثانيًا: الأعمال المستحبة في العشر
1. التكبير والتهليل والتحميد
ذكر البخاري في صحيحه (كتاب العيدين) أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهم كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما. والتكبير نوعان عند العلماء:
- التكبير المطلق: في كل وقت من أول ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق، في البيت والطريق والسوق.
- التكبير المقيد: عقب الصلوات المفروضة، ويبدأ عند جمهور العلماء من فجر يوم عرفة لغير الحاج إلى عصر آخر أيام التشريق.
ومن الصيغ المأثورة عن بعض الصحابة: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». والأمر في الصيغة واسع.
2. صيام الأيام التسعة، وخاصة يوم عرفة
الصيام من أفضل الأعمال الصالحة، فيدخل في عموم حديث فضل العمل في العشر، واستحب كثير من العلماء صيام الأيام التسعة الأولى. وأعظمها يوم عرفة؛ قال ﷺ: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (رواه مسلم، 1162). ولا يجوز صيام يوم العيد (العاشر). ولتفاصيل أيام التطوع الأخرى راجع مقال صيام التطوع.
3. اغتنام يوم عرفة بالدعاء
قال ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» (رواه مسلم، 1348). وفي يوم عرفة نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، كما أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه (متفق عليه: البخاري 45، ومسلم 3017). فاجعل عصر يوم عرفة لك خلوة مع الله بالدعاء والذكر والاستغفار.
4. الأضحية
عن أنس رضي الله عنه قال: «ضحّى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمّى وكبّر» (متفق عليه: البخاري 5565، ومسلم 1966). والأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، وذهب بعضهم كالحنفية إلى وجوبها على القادر.
5. سائر الأعمال الصالحة
ومن أبواب الخير التي يسهل الإكثار منها في العشر:
- المحافظة على الصلوات في وقتها، والإكثار من النوافل وقيام الليل.
- زيادة ورد القرآن، ومحاولة ختمه في هذه الأيام لمن استطاع.
- الصدقة، ولو بالقليل، وتفقد الأقارب والجيران المحتاجين.
- بر الوالدين وصلة الرحم.
- التوبة الصادقة والإقلاع عن الذنوب.
ثالثًا: أحكام لمن أراد أن يضحي
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئًا» (رواه مسلم، 1977).
- يبدأ الإمساك من غروب شمس آخر يوم من ذي القعدة إلى أن يذبح أضحيته.
- هذا الحكم خاص بالمضحي نفسه، لا بأهل بيته عند كثير من العلماء.
- اختلف العلماء في حكم هذا الإمساك بين التحريم والكراهة، ومن أخذ شيئًا ناسيًا أو لحاجة فلا شيء عليه، ولا تبطل أضحيته.
- وقت الذبح يبدأ بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق عند جمهور العلماء.
وللشروط التفصيلية للأضحية (السن، والعيوب، والاشتراك فيها، وتوزيعها) يُرجع إلى دار الإفتاء أو أهل العلم.
رابعًا: يوم العيد وأيام التشريق
يوم العاشر هو يوم النحر وعيد الأضحى، ويُسن فيه الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب، والخروج لصلاة العيد، والإكثار من التكبير، والأكل من الأضحية. وأيام التشريق بعده هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، قال ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (رواه مسلم، 1141)، وفي رواية: «وذكر لله». قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203].
خامسًا: جدول مقترح لأيام العشر
| الأيام | الأعمال المقترحة |
|---|---|
| 1–8 ذو الحجة | صيام ما تستطيع، وتكبير مطلق، وزيادة ورد القرآن، وصدقة يومية ولو يسيرة |
| 9 ذو الحجة (عرفة) | صيام لغير الحاج، ودعاء طويل بعد العصر، وبدء التكبير المقيد من الفجر |
| 10 ذو الحجة (العيد) | صلاة العيد، والأضحية، وصلة الأرحام، والتكبير |
| 11–13 ذو الحجة | التكبير المقيد والمطلق، والأكل والتوسعة على الأهل، والتصدق من الأضحية |
فضل الحج لمن استطاع
قال ﷺ: «من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه: البخاري 1521، ومسلم 1350). وقال ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (متفق عليه: البخاري 1773، ومسلم 1349). ولأحكام المناسك يمكنك زيارة صفحة الحج والمناسك.
أسئلة شائعة
هل يصوم الحاج يوم عرفة؟
السنة للحاج الواقف بعرفة أن يفطر، فقد شرب النبي ﷺ اللبن وهو واقف بعرفة (متفق عليه: البخاري 1988، ومسلم 1123).
إذا اختلف يوم عرفة بين البلدان فمتى أصوم؟
هذه مسألة خلافية بين العلماء، والأيسر أن يتبع المسلم ما تعلنه الجهة الرسمية المختصة في بلده، أو يسأل دار الإفتاء.
اغتنم هذه الأيام قبل أن تمضي، واجعل لك فيها خطة واضحة، فهي من أعظم مواسم الطاعة في العام كله.
هذا المقال للتعليم والتوعية العامة، وليس فتوى. للمسائل الخاصة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين أو دار الإفتاء في بلدك.