صيام التطوع من أحب النوافل إلى الله، وهو فرصة لمن أراد أن يزيد رصيده من الحسنات بعد رمضان، وأن يحافظ على روحانية الصيام طوال العام. وقد شرع النبي ﷺ أيامًا معيّنة للصيام وبيّن فضلها، كما بيّن أيامًا يُنهى عن صيامها. في هذا المقال نجمع أيام صيام التطوع الثابتة في السنة الصحيحة: الست من شوال، والاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عرفة، وعاشوراء، وشهر المحرم وشعبان، مع جدول ملخص وأسئلة شائعة.
أولًا: صيام الست من شوال
عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر» (رواه مسلم، 1164).
ومعنى «كصيام الدهر» عند العلماء: أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان يعدل عشرة أشهر، وصيام ستة أيام يعدل شهرين، فيكون المجموع كصيام سنة كاملة.
كيف تصومها؟
- يجوز أن تصومها متتابعة بعد يوم العيد مباشرة، أو متفرقة خلال شهر شوال كله.
- لا يجوز صيام يوم عيد الفطر نفسه، فتبدأ من اليوم الثاني من شوال أو بعده.
- من كان عليه قضاء من رمضان، فالأولى عند كثير من العلماء أن يقضي أولًا ثم يصوم الست، لأن الحديث قال: «من صام رمضان ثم أتبعه». وفي المسألة خلاف، كما اختلفوا في الجمع بين نية القضاء ونية الست، فيُرجع فيها إلى أهل العلم أو دار الإفتاء.
ثانيًا: صيام الاثنين والخميس
عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت أو أُنزل عليّ فيه» (رواه مسلم، 1162).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء...» (رواه مسلم، 2565). ولهذا كان صيام هذين اليومين من عادة كثير من الصالحين، وقد وردت أحاديث أخرى في سنن أهل الحديث في صيام النبي ﷺ لهما.
وفي الحديث الأخير درس مهم: أن الخصومة والشحناء بين المسلمين تؤخر المغفرة، فأصلح ما بينك وبين إخوانك، ولا تجعل صيامك مع قطيعة.
ثالثًا: ثلاثة أيام من كل شهر
قال أبو هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (متفق عليه: البخاري 1981، ومسلم 721).
وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» (رواه البخاري، 1976).
ويجوز أن تكون هذه الأيام الثلاثة في أي وقت من الشهر. واستحب جمهور العلماء أن تكون هي «الأيام البيض»، أي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري، لأحاديث وردت في ذلك عند أصحاب السنن.
رابعًا: صيام يوم عرفة
قال رسول الله ﷺ: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (رواه مسلم، 1162).
ويوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة. وهذا الصيام مستحب لغير الحاج، أما الحاج الواقف بعرفة فالسنة في حقه الفطر؛ فقد أرسلت أم الفضل رضي الله عنها إلى النبي ﷺ بقدح لبن وهو واقف بعرفة فشربه (متفق عليه: البخاري 1988، ومسلم 1123). وللمزيد عن هذه الأيام راجع مقال فضل العشر الأوائل من ذي الحجة.
خامسًا: صيام عاشوراء وشهر المحرم
في الحديث نفسه قال ﷺ: «وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله» (رواه مسلم، 1162). وعاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم.
ويُستحب أن يُصام معه التاسع؛ فقد قال ﷺ: «لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنّ التاسع» (رواه مسلم، 1134).
وشهر المحرم كله من أفضل الشهور للصيام، قال ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» (رواه مسلم، 1163).
سادسًا: الإكثار من الصيام في شعبان
قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» (متفق عليه: البخاري 1969، ومسلم 1156). ولمن يريد أن يستعد لرمضان مبكرًا يمكنه قراءة مقال كيف تستعد لرمضان قبل شهرين؟
سابعًا: صيام يوم وإفطار يوم
قال ﷺ: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (متفق عليه: البخاري 1131، ومسلم 1159). وهذا أعلى درجات صيام التطوع لمن قدر عليه دون أن يضيّع حقوق أهله وعمله وصحته.
أيام يُنهى عن صيامها
- يوما العيدين: يحرم صيام يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى بإجماع العلماء.
- أيام التشريق: وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، قال ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (رواه مسلم، 1141). واستثنى بعض العلماء الحاج الذي لم يجد الهدي.
- إفراد يوم الجمعة: قال ﷺ: «لا يصومنّ أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده» (متفق عليه: البخاري 1985، ومسلم 1144). فإن وافق الجمعة يوم عرفة أو عاشوراء أو صامه مع يوم قبله أو بعده فلا حرج عند كثير من العلماء.
جدول ملخص لصيام التطوع
| الصيام | الوقت | الدليل |
|---|---|---|
| الست من شوال | من 2 شوال إلى آخره | مسلم 1164 |
| الاثنين والخميس | كل أسبوع | مسلم 1162، 2565 |
| ثلاثة أيام من كل شهر | الأفضل 13 و14 و15 هجريًا | البخاري 1981، مسلم 721 |
| يوم عرفة | 9 ذي الحجة لغير الحاج | مسلم 1162 |
| تاسوعاء وعاشوراء | 9 و10 المحرم | مسلم 1134، 1162 |
| الإكثار في المحرم وشعبان | الشهر كله | مسلم 1163؛ البخاري 1969 |
أسئلة شائعة
هل يجب تبييت النية لصيام التطوع؟
لا يشترط ذلك عند جمهور العلماء في النفل؛ فقد دخل النبي ﷺ على عائشة فقال: «هل عندكم شيء؟» فقالت: لا، فقال: «فإني إذن صائم» (رواه مسلم، 1154). فيجوز أن تنوي صيام النفل من النهار ما لم تأكل أو تشرب أو تأتِ بمفطر بعد الفجر.
هل تصوم المرأة تطوعًا دون إذن زوجها؟
قال ﷺ: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (متفق عليه: البخاري 5195، ومسلم 1026). والمقصود صيام التطوع إذا كان الزوج حاضرًا.
هل يجوز قطع صيام التطوع؟
يرى كثير من العلماء أن الصائم المتطوع أمير نفسه، يجوز له أن يفطر لحاجة، والأفضل أن يتمّه. وفي وجوب قضائه خلاف بين المذاهب.
ابدأ بما تستطيع: يوم الاثنين من كل أسبوع، أو الأيام البيض من كل شهر. ثم ثبّت ما بدأت به، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.
هذا المقال للتعليم والتوعية العامة، وليس فتوى. للمسائل الخاصة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين أو دار الإفتاء في بلدك.