صلة الرحم من أعظم ما أمر الله به بعد توحيده وبرّ الوالدين، وهي من الأعمال التي جمعت بين الأجر في الآخرة والبركة في الدنيا. ومع انشغال الناس بأعمالهم وتباعد المسافات بين البيوت والمدن، صار كثيرون لا يرون أعمامهم وأخوالهم إلا في المناسبات، وربما مرّت سنوات على خلاف عائلي صغير دون أن يبادر أحد بالصلح. في هذا المقال نعرض معنى صلة الرحم ومن هم الأرحام، وفضلها في القرآن والسنة الصحيحة، وخطر القطيعة، ثم صورًا عملية للصلة تناسب حياتنا اليوم، وكيف تتعامل مع القريب الذي يقطعك أو يؤذيك.

أولًا: ما معنى صلة الرحم؟ ومن هم الأرحام؟

الرحم في اللغة: القرابة، وأصلها رحم المرأة الذي يجمع الأقارب في النسب. وصلة الرحم: الإحسان إلى الأقارب بما يناسب حالهم وحال الواصل، من زيارة وسلام وسؤال عن الحال، ومساعدة للمحتاج منهم، ومشاركة في أفراحهم وأحزانهم، وكفّ الأذى عنهم. وضدّها القطيعة: هجرهم وترك الإحسان إليهم والإساءة إليهم.

أما الأرحام فهم الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم: الآباء والأمهات وإن علوا كالأجداد والجدات، والأبناء والبنات وأولادهم، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم. وقد اختلف العلماء في حدود الرحم التي تجب صلتها: فمنهم من خصّها بالمحارم الذين يحرم التزاوج بينهم، ومنهم من جعلها شاملة لكل قريب من جهة النسب، وهذا قول كثير من أهل العلم. وعلى القولين فإن الصلة تتفاوت: فالأقرب أحقّ بالصلة من الأبعد.

ثانيًا: صلة الرحم في القرآن الكريم

قرن الله تعالى الأمر بتقواه بالأمر برعاية الأرحام في أول سورة النساء، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها.

وذكر الله من صفات أولي الألباب: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21]، ويدخل في ذلك صلة الأرحام دخولًا أوليًا.

وأمر بإعطاء القريب حقه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26].

وفي المقابل حذّر من القطيعة تحذيرًا شديدًا فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].

ثالثًا: فضل صلة الرحم في السنة الصحيحة

1. من أسباب دخول الجنة

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال ﷺ: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (متفق عليه: البخاري 1396، ومسلم 13).

2. سعة الرزق وطول الأثر

قال رسول الله ﷺ: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه» (متفق عليه: البخاري 5986، ومسلم 2557). ومعنى «يُنسأ له في أثره»: يُؤخَّر له في أجله، وقد فسّره العلماء بالبركة في العمر والتوفيق للطاعة فيه، أو بالزيادة الحقيقية فيما كتبه الله أزلًا مرتبطًا بهذا السبب.

3. علامة من علامات الإيمان

قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» (رواه البخاري، 6138)، في حديث جمع فيه إكرام الضيف وحفظ اللسان.

4. وصل الله لمن وصلها

قال ﷺ: «الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (رواه مسلم، 2555). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الله تعالى قال للرحم: «ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟» قالت: بلى يا رب، ثم قال رسول الله ﷺ: «فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾» (متفق عليه: البخاري 5987، ومسلم 2554).

5. الصدقة على القريب أجرها مضاعف

لما سألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما عن الصدقة على زوجها وأيتام في حجرها، قال ﷺ: «لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» (متفق عليه: البخاري 1466، ومسلم 1000). ولما أعتقت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها جارية لها قال لها ﷺ: «أما إنك لو أعطيتِها أخوالك كان أعظم لأجرك» (متفق عليه: البخاري 2592، ومسلم 999). ولمزيد من التفصيل راجع مقال فضل الصدقة وآدابها وأفضل أنواعها.

رابعًا: خطر قطيعة الرحم

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع» (متفق عليه: البخاري 5984، ومسلم 2556)، قال سفيان: يعني قاطع رحم. وقد عدّ العلماء قطيعة الرحم من كبائر الذنوب لهذا الوعيد ولآية سورة محمد السابقة. ومعنى الحديث عند أهل السنة: أنه لا يدخلها مع السابقين الأولين، أو لا يدخلها إن استحلّ القطيعة مع علمه بتحريمها، وأمره إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، لا أنه يخلد في النار بمجرد هذا الذنب.

وقال ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (متفق عليه: البخاري 6077، ومسلم 2560). فإذا كان هذا في حق عموم المسلمين، فالهجر بين الإخوة وأبناء العمومة أشد وأقبح.

خامسًا: الواصل الحقيقي هو من يصل من قطعه

يظن بعض الناس أن صلة الرحم معاملة بالمثل: من زارني زرته، ومن قاطعني قاطعته. وقد صحّح النبي ﷺ هذا المفهوم فقال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها» (رواه البخاري، 5991).

وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال ﷺ: «لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسفّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (رواه مسلم، 2558). و«المَلّ» الرماد الحار، والمعنى أنهم هم الخاسرون بإساءتهم، وأنت مؤيَّد من الله ما دمت تحسن إليهم.

ومن أعظم الأمثلة على ذلك موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع قريبه مِسطح بن أثاثة، فقد كان ينفق عليه، فلما خاض مسطح في حادثة الإفك حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]، فقال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، وأعاد إليه النفقة (والقصة في حديث الإفك عند البخاري 4750، ومسلم 2770).

سادسًا: صور عملية لصلة الرحم في حياتنا اليوم

ليس للصلة صورة واحدة محددة، بل المرجع فيها إلى العُرف وإلى حال الواصل والموصول؛ فما يعدّه الناس صلة فهو صلة، وما يعدّونه قطيعة فهو قطيعة. ومن صورها:

  1. الزيارة: وهي أعلى صور الصلة، خاصة للوالدين والإخوة والأعمام والأخوال وكبار السن.
  2. الاتصال الهاتفي والرسائل: لمن بعدت مسافته أو تعذّرت زيارته، فمكالمة صوتية قصيرة كل فترة خير من غياب طويل، والرسالة المكتوبة أقل درجة من المكالمة لكنها أفضل من الانقطاع.
  3. المشاركة في المناسبات: التهنئة في الأفراح والنجاح والمولود، والمواساة في المرض والعزاء.
  4. عيادة المريض منهم: فهي من حق المسلم على المسلم، وتتأكد في القريب.
  5. المساعدة المادية للمحتاج: بحسب القدرة، مع الستر وحفظ كرامته.
  6. الدعاء لهم بظهر الغيب: وهو صلة لا يعلمها إلا الله.
  7. الإصلاح بين المتخاصمين منهم: بالحكمة والكلمة الطيبة.
  8. صلة أقارب الوالدين بعد وفاتهما: قال ﷺ: «إن أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودّ أبيه» (رواه مسلم، 2552)، وانظر مقال بر الوالدين.

سابعًا: كيف تتعامل مع القريب المؤذي أو المقاطع؟

  • ابدأ أنت: بالسلام أو مكالمة قصيرة أو تهنئة في مناسبة، فخير المتخاصمين الذي يبدأ بالسلام.
  • لا تشترط المعاملة بالمثل: تذكّر حديث «ليس الواصل بالمكافئ».
  • الصلة لا تعني تحمّل الضرر الحقيقي: إذا كانت المخالطة تجلب أذى ظاهرًا في الدين أو النفس أو المال، جاز تقليلها إلى الحد الأدنى من السلام والسؤال عن الحال والدعاء، دون قطع كامل. وتقدير ذلك يختلف من حالة إلى أخرى، فاستشر أهل العلم في حالتك.
  • القريب غير المسلم: تُشرع صلته بالمعروف؛ فقد استأذنت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما النبيَّ ﷺ في صلة أمها وهي مشركة فقال: «نعم، صِلي أمك» (متفق عليه: البخاري 2620، ومسلم 1003).
  • الأقارب من غير المحارم: كأبناء العم والخال من الجنس الآخر، تكون صلتهم مع مراعاة الآداب الشرعية من ترك الخلوة والالتزام بالحشمة.

ثامنًا: أخطاء شائعة

  1. قصر الصلة على العيدين فقط مع القدرة على أكثر من ذلك.
  2. الاكتفاء برسائل جماعية منسوخة في المناسبات بدل كلمة شخصية صادقة.
  3. جعل خلافات الميراث أو الأمور المادية سببًا للقطيعة سنوات طويلة.
  4. تحميل الأبناء خصومات الآباء وتوريثهم القطيعة.
  5. الزيارة بقصد التفاخر أو تتبّع العيوب ونقل الكلام، فتنقلب الصلة إلى سبب للخصام.

خطة بسيطة للبدء هذا الأسبوع

  • اكتب قائمة بأقاربك الأقربين، ورتّبهم حسب القرابة.
  • اتصل اليوم بقريب لم تكلمه منذ فترة طويلة، ولو بدقائق.
  • حدّد زيارة شهرية ثابتة لأحد الأعمام أو الأخوال أو الأجداد.
  • إن كان بينك وبين أحدهم خصام، فابدأ برسالة سلام قصيرة واحتسب الأجر.
  • اصطحب أولادك في الزيارات ليعرفوا أرحامهم وينشؤوا على صلتهم.

خلاصة

صلة الرحم عبادة عظيمة يسيرة: كلمة طيبة، وزيارة، ومكالمة، ومساعدة بقدر الاستطاعة. وفيها وعد نبوي بالبركة في الرزق والعمر، ووصل من الله لمن وصل رحمه، وفي القطيعة وعيد شديد. والواصل الحقيقي من يبادر ولا ينتظر المقابل، فابدأ اليوم، فقد يكون اتصالك سببًا في إصلاح ما انقطع منذ سنين.

هذا المقال للتعليم والتوعية العامة، وليس فتوى. للمسائل الخاصة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين أو دار الإفتاء في بلدك.

← كل المقالات