القرآن الكريم كلام الله تعالى، وتلاوته من أعظم القربات. ولتلاوته آداب تجعل القراءة أعمق أثرًا في القلب وأقرب إلى القبول، بعضها يتعلق بحال القارئ قبل أن يبدأ، وبعضها بطريقة القراءة نفسها، وبعضها بما بعد التلاوة. في هذا المقال نجمع هذه الآداب من القرآن والسنة الصحيحة وكلام أهل العلم، ونقسمها إلى خطوات يسهل تطبيقها في وردك اليومي.
أولًا: فضل تلاوة القرآن
قبل الحديث عن الآداب نتذكر لماذا نقرأ. قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (رواه مسلم، 804). وقال ﷺ: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (رواه البخاري، 5027).
وطمأن ﷺ من يجد صعوبة في القراءة فقال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (رواه مسلم، 798، وأصله في البخاري 4937). فلا يمنعك ضعف قراءتك من البدء، فإن لك أجر التلاوة وأجر المشقة.
ثانيًا: آداب قبل التلاوة
1. الإخلاص وإحضار النية
اقرأ القرآن طلبًا لرضا الله وللعمل به، لا للمباهاة أو لمجرد إنهاء عدد من الصفحات. وجدّد نيتك قبل كل جلسة: أقرأ لأتعبد الله، ولأفهم، ولأعمل.
2. الطهارة
من الأدب أن يقرأ المسلم وهو على طهارة. ويرى جمهور الفقهاء أن مسّ المصحف يشترط له الوضوء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] مع أحاديث في الباب، وخالف في ذلك بعض العلماء. أما القراءة من الحفظ أو من شاشة الهاتف دون مسّ المصحف فالأمر فيها أوسع. ولأحكام الحائض والجنب تفصيل بين المذاهب، فارجع فيه إلى أهل العلم أو دار الإفتاء.
3. اختيار المكان والوقت المناسب
اختر مكانًا نظيفًا هادئًا، ووقتًا يكون فيه ذهنك حاضرًا، كبعد الفجر أو قبل النوم. واستقبال القبلة والجلوس بسكينة من كمال الأدب وإن لم يكن شرطًا.
4. الاستعاذة والبسملة
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. فتبدأ بقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، ثم تبسمل إذا بدأت من أول سورة غير سورة التوبة. أما إن بدأت من وسط سورة فأنت مخيّر في البسملة عند أكثر القراء.
ثالثًا: آداب أثناء التلاوة
1. الترتيل وعدم العجلة
قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. والترتيل قراءة متأنية واضحة الحروف مع مراعاة أحكام التجويد. وقراءة صفحة بتأنٍّ وفهم خير من قراءة جزء بسرعة لا يدري القارئ فيها ما يقرأ. وإن أردت تعلّم الأحكام الأساسية فابدأ بمقالي أحكام النون الساكنة والتنوين وأحكام الميم الساكنة والمدود.
2. تحسين الصوت بالقراءة
قال ﷺ: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» (متفق عليه: البخاري 5024، ومسلم 792). وقال ﷺ: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» (رواه البخاري، 7527). ومعنى التغني عند كثير من العلماء تحسين الصوت وتحزينه بالقراءة دون تكلّف يخرج القراءة عن أحكامها.
3. التدبر والتفاعل مع الآيات
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
وكان النبي ﷺ يتفاعل مع ما يقرأ. يصف حذيفة رضي الله عنه قراءته في صلاة الليل فيقول: «يقرأ مترسّلًا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ» (رواه مسلم، 772). فإذا مررت بآية رحمة فاسأل الله من فضله، وإذا مررت بآية عذاب فاستعذ بالله، وإذا مررت بتسبيح فسبّح.
4. البكاء والخشوع
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عليّ»، قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: «فإني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: «أمسك»، فإذا عيناه تذرفان (متفق عليه: البخاري 5050، ومسلم 800). وفي الحديث أيضًا أدب الاستماع إلى القرآن من غيرك.
5. عدم قطع التلاوة بالكلام
من الأدب ألا تقطع قراءتك بالحديث مع الناس أو تصفّح الهاتف إلا لحاجة. وإن قطعت القراءة لحاجة ثم عدت إليها بعد مدة فاستعذ مرة أخرى عند بعض العلماء.
6. سجود التلاوة
في القرآن مواضع للسجدة مُعلَّمة في المصحف، ويُستحب عند جمهور العلماء أن يسجد القارئ والمستمع عند المرور بها، وهي سنة لا إثم في تركها عند الجمهور. وفي اشتراط الطهارة لها خلاف بين العلماء.
رابعًا: آداب مع المصحف والمجلس
- احفظ المصحف في مكان لائق، ولا تضع فوقه شيئًا، ولا تتركه مفتوحًا في مكان يتعرض فيه للامتهان.
- إذا قُرئ القرآن في مجلس فاستمع وأنصت؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
- لا ترفع صوتك بالقراءة رفعًا يشوّش على مصلٍّ أو نائم أو قارئ آخر.
- المصاحف القديمة أو التالفة لا تُلقى مع النفايات، وإنما تُدفن في مكان طاهر أو تُحرق احترامًا وصيانة لها كما فعل الصحابة، أو تُسلَّم للجهات المختصة بذلك.
خامسًا: آداب بعد التلاوة
- العمل بما قرأت: الغاية من التلاوة الهداية. اختر من كل جلسة آية واحدة تعمل بها في يومك.
- الدعاء: ادعُ الله أن ينفعك بما قرأت وأن يجعل القرآن ربيع قلبك.
- تسجيل موضع التوقف: ليسهل عليك الاستمرار، واجعل لك جدولًا ثابتًا كما في جداول ختمة القرآن في شهر.
- المداومة ولو على قليل: القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
جدول ملخص لآداب التلاوة
| المرحلة | الآداب |
|---|---|
| قبل القراءة | النية، الطهارة، مكان هادئ، الاستعاذة والبسملة |
| أثناء القراءة | الترتيل، تحسين الصوت، التدبر، التفاعل مع الآيات، سجود التلاوة |
| مع المصحف والمجلس | صيانة المصحف، الإنصات، عدم التشويش |
| بعد القراءة | العمل، الدعاء، تسجيل الموضع، المداومة |
أسئلة شائعة
هل أُؤجر على القراءة من الهاتف؟
نعم، القراءة من الهاتف تلاوة يُؤجر عليها المسلم بإذن الله، ويحسن أن تجعل الهاتف على وضع عدم الإزعاج حتى لا تقطعك الإشعارات.
هل أقرأ بصوت أم في سري؟
القراءة تكون بتحريك اللسان والشفتين، ولو بصوت خافت تسمعه أنت. والجهر والإسرار كلاهما مشروع، فاختر ما هو أنفع لقلبك ولا يؤذي غيرك.
آداب التلاوة ليست قيودًا، بل هي طريق لتذوّق القرآن وفهمه. ابدأ بأدب واحد في كل أسبوع حتى تجتمع لك هذه الآداب، وتصبح تلاوتك عبادة حاضرة القلب.
هذا المقال للتعليم والتوعية العامة، وليس فتوى. للمسائل الخاصة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين أو دار الإفتاء في بلدك.